
باعتباره أداة رئيسية للوقاية الصحية، يبدو مبدأ «رفع الأسعار للحد من الإقبال على التدخين» بمثابة مسلّمة لا تقبل الجدل.
نظريًا، ومن خلال الضغط على القدرة الشرائية للمستهلك، ولا سيما الشباب الأكثر حساسية لتغيرات الأسعار، يفترض أن تحقق الدولة هدفين في آن واحد: حماية الفئات الهشة والحد من الإدمان على المدى الطويل.
لكن في الواقع، تقدم الأرقام الميزانياتية صورة مختلفة تمامًا؛ فقد قفزت إيرادات الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) المفروضة على التبغ المصنع بأكثر من 42% خلال خمس سنوات.
فقد ارتفعت مداخيل هذه الضريبة من 7.16 مليارات درهم إلى نهاية غشت 2021 إلى أكثر من 10.22 مليارات درهم إلى نهاية غشت 2026.
ويُعزى هذا الارتفاع اللافت في إيرادات الضريبة الداخلية على الاستهلاك إلى أربعة محاور رئيسية:
1. المخطط متعدد السنوات للإصلاح (2022–2026)
بموجب قانون المالية لسنة 2022، تم اعتماد مسار تدريجي لرفع الحصة النوعية والحد الأدنى للتحصيل في فاتح يناير من كل سنة، وصولًا إلى سنة 2026.
وكان الهدف من هذا المسار الضريبي المتوقع هو تقليص الفوارق في مستوى taxation بين السجائر الفاخرة والعلامات التجارية الأكثر انتشارًا.
2. إعادة ضبط أسعار البيع للعموم
نتيجة للزيادات الضريبية، عمد المصنعون والموزعون بشكل منتظم إلى تعديل أسعار علب السجائر، بموجب قرارات صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية.
كما أن الجزء النِسبي (ad valorem) من الضريبة يتيح للدولة، بشكل آلي، تحصيل إيرادات أكبر كلما ارتفعت أسعار البيع بالتجزئة.
3. صمود حجم الاستهلاك وتوسيع الوعاء الضريبي
لا يزال إجمالي استهلاك التبغ مرتفعًا.
وفي الوقت نفسه، أدى إدماج فئات جديدة من المنتجات، ولا سيما منتجات التبغ المسخن، إلى جانب تعديل الإطار التنظيمي المتعلق بـ السوائل الإلكترونية ومنتجات التدخين الإلكتروني، إلى توسيع نطاق المنتجات الخاضعة للتحصيل الضريبي.
4. تشديد المراقبة ومحاربة التهريب
ساهم تعزيز آليات تتبع المنتجات، ولا سيما الوسم الجبائي، إلى جانب تكثيف جهود مكافحة التجارة غير المشروعة، في إعادة توجيه جزء من الطلب نحو القنوات القانونية الخاضعة للضريبة الداخلية على الاستهلاك.
ثغرات منطق الرفع الضريبي وحده
يصطدم الطرح الصحي-الجبائي بثلاثة أوجه قصور رئيسية في السوق المغربية:
عدم مرونة الإدمان
التبغ ليس سلعة استهلاكية عادية. فالاعتماد على النيكوتين يحد من الأثر الردعي للزيادات المعتدلة أو التدريجية في الأسعار.
وبالنسبة إلى الفئات محدودة الدخل أو الشباب، فإن ارتفاع الأسعار لا يؤدي بالضرورة إلى التوقف عن التدخين، بل قد يدفع إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، على حساب السلع الأساسية أو الأنشطة الثقافية والترفيهية.
التحول نحو القنوات غير الرسمية والخطرة
إن رفع سعر العلبة القانونية، من دون إرساء سياسة موازية للدعم الطبي أو تشديد صارم على البيع بالتجزئة، قد يخلق مجالًا أوسع للتهريب والسوق الموازية.
وهكذا قد يتجه المستهلك محدود الدخل أو الشاب إلى شراء السجائر بالتقسيط أو بالسيجارة الواحدة، وهي منتجات يصعب تتبع مصدرها، أو إلى منتجات مقلدة لا تخضع مكوناتها ومخاطرها لأي رقابة صحية فعلية.
الغموض المحيط بالمنتجات الناشئة
في الوقت الذي يتزايد فيه توجه الشباب نحو البدائل الإلكترونية والسوائل الإلكترونية ومنتجات التدخين الإلكتروني، يبدو الخطاب الصحي الذي يركز أساسًا على السجائر التقليدية منفصلًا جزئيًا عن التحولات الجارية في السوق.
أما الإسراع في إخضاع هذه المنتجات للضرائب، فيبدو أقرب إلى الرغبة في تحصيل إيرادات من سوق جديدة منه إلى كونه جزءًا من استراتيجية توعوية وصحية متكاملة.
باختصار، لم تنجح الضريبة المرتفعة في إطفاء سوق التبغ تحت وطأة الأسعار. بل على العكس، تحولت مداخيل التبغ إلى واحدة من أكثر مصادر الإيرادات ديناميكية واستقرارًا، لتصبح بذلك رافدًا مهمًا في تمويل خزينة الدولة والمساهمة في سد عجزها.



