
بعد الانتعاش القوي الذي أعقب جائحة كوفيد-19، ووصول تدفقات السياح المغاربة إلى تركيا إلى مستوى تاريخي سنة 2023، دخل هذا السوق منذ 2024 في مسار تنازلي متواصل. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تراجعت أعداد الزوار المغاربة تدريجياً، في سياق تتداخل فيه ارتفاع تكاليف الإقامة والمعيشة في تركيا، وضغوط التضخم، وتغير أولويات الإنفاق لدى الأسر المغربية، إلى جانب اشتداد المنافسة بين الوجهات السياحية.
طفرة استثنائية بعد الجائحة
تكشف بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية الخاصة بالفترة الممتدة من يناير إلى يوليو بين 2021 و2026 عن مسار لافت للسوق المغربي.
ففي سنة 2021، لم يتجاوز عدد الزوار المغاربة 35,858 سائحاً، في ظل القيود المرتبطة بالجائحة وتداعياتها على حركة السفر الدولية.
لكن الوضع تغير بشكل جذري في 2022، عندما قفز العدد إلى 117,643 زائراً، أي بزيادة بلغت 228.1% في سنة واحدة. واستمر الزخم خلال 2023، حيث ارتفع عدد الوافدين المغاربة إلى تركيا إلى 141,469 سائحاً، مسجلاً زيادة قدرها 20.2%، ليصل السوق بذلك إلى أعلى مستوى تاريخي له خلال الفترة المدروسة.
وقد استفادت تركيا آنذاك من مجموعة من العوامل، من بينها سهولة السفر، وتنوع العرض السياحي والفندقي، وجاذبية إسطنبول والمدن التركية، إضافة إلى التسوق والأسعار التي كانت تمنح السائح المغربي قدرة شرائية جذابة مقارنة بعدد من الوجهات الأوروبية.
من الذروة إلى التراجع المتواصل
غير أن منحنى السوق بدأ في الانعكاس ابتداءً من 2024.
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2024، تراجع عدد السياح المغاربة إلى 127,375 زائراً، بانخفاض قدره 10% مقارنة بالفترة نفسها من 2023.
وفي 2025، استمر الاتجاه النزولي، حيث بلغ عدد الوافدين 122,251 سائحاً، أي أقل بنحو 4% على أساس سنوي.
أما خلال يناير–يوليو 2026، فقد تسارع التراجع، إذ لم يتجاوز عدد السياح المغاربة 111,406 زوار، بانخفاض قدره 8.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وبذلك، يكون السوق المغربي قد فقد، بين 2024 و2026، حوالي 12.5% من تدفقاته خلال الفترة نفسها من السنة.
تطور السياح المغاربة إلى تركيا – يناير إلى يوليو
| السنة | عدد السياح المغاربة | التطور السنوي |
|---|---|---|
| 2021 | 35,858 | — |
| 2022 | 117,643 | +228.1% |
| 2023 | 141,469 | +20.2% |
| 2024 | 127,375 | -10.0% |
| 2025 | 122,251 | -4.0% |
| 2026 | 111,406 | -8.9% |
تركيا تعيد ترتيب خريطة أسواقها المغاربية
ولا يقتصر التحول على السوق المغربي. فمقارنة تطور تدفقات السياح القادمين من دول شمال إفريقيا خلال الأشهر السبعة الأولى من 2024 و2025 و2026 تكشف عن تباين واضح في أداء الأسواق الإقليمية.
فالجزائر حافظت على مسار مستقر مع ميل طفيف إلى النمو، في حين حققت مصر انتعاشاً قوياً في 2026. وفي المقابل، واصلت كل من ليبيا والمغرب تسجيل انخفاض في عدد الوافدين.
شمال إفريقيا: مسارات متباينة نحو تركيا
| الجنسية | 2024 | 2025 | 2026 | 2025/2024 | 2026/2025 | 2026/2024 |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الجزائر | 166,300 | 166,790 | 169,314 | +0.3% | +1.5% | +1.8% |
| مصر | 120,215 | 111,682 | 133,499 | -7.1% | +19.5% | +11.1% |
| المغرب | 127,375 | 122,251 | 111,406 | -4.0% | -8.9% | -12.5% |
| ليبيا | 120,933 | 102,652 | 89,480 | -15.1% | -12.8% | -26.0% |
الجزائر تحافظ على الصدارة
تواصل الجزائر تصدر قائمة الأسواق السياحية المغاربية نحو تركيا. فبعد شبه استقرار بين 2024 و2025، ارتفع عدد الزوار الجزائريين إلى 169,314 سائحاً خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026.
وبذلك سجل السوق الجزائري نمواً إجمالياً قدره 1.8% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، في أداء يعكس استقرار الطلب الجزائري على الوجهة التركية.
مصر.. عودة قوية في 2026
أما السوق المصري، فقد شهد تحولاً أكثر وضوحاً. فبعد انخفاض عدد السياح المصريين من 120,215 في 2024 إلى 111,682 في 2025، عاد التدفق بقوة خلال 2026.
وسجلت الأشهر السبعة الأولى من السنة 133,499 زائراً مصرياً، بزيادة بلغت 19.5% على أساس سنوي، وبنمو إجمالي قدره 11.1% مقارنة بـ2024.
هذه الدينامية جعلت مصر من أبرز الأسواق الإقليمية الصاعدة نحو تركيا خلال 2026.
المغرب.. من المركز الثاني إلى الثالث
بالنسبة إلى المغرب، تبدو الصورة أكثر صعوبة. ففي 2024 كان المغرب يحتل المرتبة الثانية بين الأسواق المغاربية الرئيسية نحو تركيا، بـ127,375 زائراً.
لكن استمرار التراجع خلال 2025 و2026 أدى إلى انخفاض العدد إلى 111,406 زوار فقط خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، ليتراجع المغرب إلى المرتبة الثالثة خلف الجزائر ومصر.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة تراجع جاذبية تركيا كوجهة سياحية، بقدر ما تشير إلى تغير في معادلة الطلب لدى السائح المغربي. فارتفاع تكاليف الإقامة والنقل والخدمات، إلى جانب الضغوط التضخمية، جعل الرحلة إلى تركيا أكثر كلفة مقارنة بالسنوات التي سبقت مرحلة التصحيح.
كما أن المنافسة بين الوجهات السياحية أصبحت أكثر حدة، مع تنوع الخيارات المتاحة أمام الأسر المغربية، سواء داخل المنطقة أو في الوجهات الأوروبية والمتوسطية.
ليبيا.. أكبر تراجع في المنطقة
وتسجل ليبيا أكبر انخفاض بين الأسواق الأربعة محل المقارنة. فقد تراجع عدد الزوار الليبيين من 120,933 خلال يناير–يوليو 2024 إلى 102,652 في 2025، ثم إلى 89,480 في 2026.
وبذلك بلغت نسبة الانخفاض الإجمالية 26% خلال عامين، مقابل 12.5% بالنسبة إلى المغرب.
سوق يدخل مرحلة «التطبيع»
تظهر الأرقام أن السوق المغربي انتقل من مرحلة الطفرة الاستثنائية التي أعقبت الجائحة إلى مرحلة أكثر طبيعية وتنافسية.
فبعد أن استفادت تركيا من الطلب المكبوت على السفر خلال 2022 و2023، بدأت الأسواق المصدرة للسياح في إعادة ترتيب أولوياتها. وبالنسبة إلى المغرب، يبدو أن ارتفاع تكلفة السفر والإقامة وتغير القدرة الشرائية، إلى جانب تعدد البدائل السياحية، ساهمت في كبح الزخم الذي ميز السنوات السابقة.
وبالتالي، فإن التحدي بالنسبة إلى تركيا لم يعد يتمثل فقط في جذب السائح المغربي، بل في الحفاظ على تنافسية الوجهة في سوق أصبح أكثر حساسية للسعر وأكثر تنوعاً في اختياراته.
وبالنسبة للمغرب، فإن الانتقال من 141 ألف زائر في 2023 إلى 111 ألفاً خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 يضع حداً لمرحلة الطفرة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها: المنافسة على ميزانية السائح المغربي.
إذا أردت، أستطيع أيضاً تحويله إلى نسخة أقوى لمجلة Libre Entreprise بعنوان اقتصادي أكثر جاذبية، مع مقدمة قصيرة جداً، عناوين فرعية “ضاربة”، وإنفوغرافيك مقترح للأرقام.



